بقلم فيرونيكا سانتا كروز x شركاء CMBS
على مدى السنوات الثلاث الماضية، لم تعد الإمارات العربية المتحدة (الإمارات) مجرد نقطة عبور للنفط، بل أصبحت المركز العصبي الذي تُبرم فيه بعض أكبر صفقات الطاقة والتعدين في العالم، ويتم تمويلها وهيكلتها. بدءًا من صناديق الثروة السيادية مثل «مبادلة» و«ADQ» وصولًا إلى شركات المحاماة الدولية التي تفتح مكاتب لها في مركز دبي المالي الدولي (DIFC) أو سوق أبوظبي العالمي (ADGM)، فإن الإشارة التي يبعثها السوق واضحة: إذا كانت الصفقة كبيرة أو معقدة أو عابرة للحدود، فمن المرجح بشكل متزايد أن تمر عبر أبوظبي أو دبي.
وهذا ليس من قبيل الصدفة. بل إنه يعكس مزيجًا متعمدًا من السياسة الاقتصادية، والهندسة القانونية، والمواقف الجيوسياسية التي حولت الإمارات إلى منصة طبيعية لمعاملات الموارد الطبيعية. وفيما يلي، نحلل العوامل الهيكلية والمالية والاستراتيجية الكامنة وراء هذا الاتجاه، إلى جانب التوترات والمخاطر التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من هذه القصة.
1. إطار قانوني مصمم لاستقطاب رؤوس الأموال الدولية
ويقع في قلب هذا الازدهار مركزان ماليان يتمتعان بسلطة قضائية مستقلة: مركز دبي المالي العالمي (DIFC) في دبي وسوق أبوظبي العالمي (ADGM) في أبوظبي. ويعمل كلاهما بموجب القانون العام الإنجليزي، ولهما محاكمهما وهيئاتهما التنظيمية وسجلات الشركات الخاصة بهما، بشكل مستقل عن نظام القانون المدني الذي يحكم بقية أنحاء البلاد.
بالنسبة لشركة نفطية كبرى، أو شركة تعدين، أو صندوق استثمار خاص يتفاوض بشأن عملية استحواذ عبر الحدود، فإن هذا الحل يعالج مشكلة عملية: فهو يتيح استخدام هياكل مؤسسية مألوفة للمستثمرين المؤسسيين، مثل فئات الأسهم المتعددة، وحقوق الإجبار على البيع، وأفضلية التصفية، وهي أمور يصعب تكرارها في إطار شركة ذات مسؤولية محدودة تقليدية في البر الرئيسي. وتؤكد أرقام التسجيل صحة ذلك: ففي الربع الأول من عام 2026 وحده، سجل مركز دبي المالي العالمي (DIFC) 775 شركة جديدة، بزيادة قدرها 62% عن نفس الفترة من عام 2025، بينما أنهى سوق أبوظبي العالمي (ADGM) عام 2025 بأكثر من 12,000 ترخيص نشط وقفزة بنسبة 36% في الأصول الخاضعة للإدارة.
يُضاف إلى ذلك إصلاح قانون الشركات التجارية لعام 2021، الذي ألغى الشرط التاريخي الذي كان يقتضي وجود شريك محلي يمتلك 51% من رأس المال في جميع القطاعات التجارية والصناعية تقريبًا. والنتيجة: ملكية أجنبية بنسبة 100٪، وحرية تحويل رأس المال والأرباح إلى الخارج، وتنفيذ قرارات التحكيم الدولية التي تستغرق الآن من 9 إلى 12 شهراً، بعد أن كانت تستغرق من 18 إلى 24 شهراً قبل بضع سنوات فقط.
2. الكفاءة الضريبية دون المساس بمصداقية المؤسسات
لم يعد جاذبية الإمارات العربية المتحدة في مجال الضرائب تعتمد على الغموض، بل على قواعد واضحة وتنافسية. يمكن لأي شركة مؤهلة كـ«كيان مؤهل في المنطقة الحرة» (QFZP) ضمن مركز دبي المالي العالمي (DIFC) أو سوق أبوظبي العالمي (ADGM) الاستفادة من معدل ضريبة شركات بنسبة 0% على فئات معينة من الدخل، بما في ذلك أنشطة الحيازة، وهو بالضبط النوع من الآليات المستخدمة لتوحيد أصول التعدين أو الطاقة المنتشرة عبر عدة دول.
كما وقعت الإمارات العربية المتحدة على أكثر من 140 اتفاقية لتجنب الازدواج الضريبي، مما يتيح للشركات تخفيض أو إلغاء ضريبة الاستقطاع على أرباح الأسهم المتدفقة من الشركات التابعة في أسواق مثل المملكة العربية السعودية أو مصر أو مختلف الدول الأفريقية إلى الشركة الأم الإماراتية. وبالنسبة لمجموعة تعدين تمتلك أصولاً في جمهورية الكونغو الديمقراطية أو زامبيا أو غينيا، ومساهمين في لندن أو سنغافورة أو نيويورك، فإن وجود القمة في الهيكل التنظيمي في سوق أبوظبي العالمي (ADGM) أو مركز دبي المالي العالمي (DIFC) يبسط بشكل كبير التخطيط الضريبي للمجموعة، شريطة أن يلتزم بمتطلبات الجوهر الاقتصادي التي تحددها الجهات التنظيمية.
3. الجغرافيا واللوجستيات: الجسر الطبيعي بين ثلاث قارات
لا توجد ميزة ضريبية يمكنها تعويض موقع سيئ، وهنا تتمتع الإمارات العربية المتحدة بميزة لا يمكن لأي منافس أن يضاهيها بسهولة، فهي تقع على بعد أقل من ثماني ساعات جواً من ثلثي سكان العالم، عند مفترق الطرق بالضبط بين الأسواق المنتجة في أوروبا وآسيا وأفريقيا.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في مجال تعدين المعادن الحيوية، مثل النحاس والكوبالت والليثيوم والجرافيت ومجموعة «3T» (القصدير والتنتالوم والتنغستن)، حيث تتركز معظم الاحتياطيات الواعدة في أفريقيا. وقد استثمر رأس المال المرتبط بالإمارات أكثر من 110 مليارات دولار في مشاريع أفريقية بين عامي 2019 و2023، ومن أبرز الصفقات استحواذ شركة “إنترناشونال ريسورسز هولدينغ” على حصة تبلغ 51% في مناجم النحاس “موباني” في زامبيا، والاتفاقيات المبرمة بين “الشركة القابضة الدولية” و”إيه دي كيو” في قطاع التعدين الكيني. وبالتوازي مع ذلك، خصصت «موانئ دبي العالمية» مليارات الدولارات للبنية التحتية اللوجستية الأفريقية لتسهيل تصدير المعادن إلى الأسواق العالمية — مما يربط بين الاستخراج والتجارة والنقل ضمن منظومة واحدة مقرها الخليج.
4. نموذج التكامل الرأسي: من المنجم إلى السوق
ما يميز الإمارات العربية المتحدة عن المراكز المالية الأخرى ليس مجرد الإطار القانوني فحسب، بل الطموح الاستراتيجي الكامن وراءه. ونظراً لعدم امتلاكها أي احتياطيات معدنية محلية تقريباً، لا تستطيع أبوظبي المنافسة كمنتج للمواد الخام الأساسية. وبدلاً من ذلك، قامت ببناء نموذج متكامل يربط بين عمليات الاستخراج في الخارج والبنية التحتية للتجارة والتكرير ولوجستيات التصدير تحت السيطرة الإماراتية.
هذه الاستراتيجية، التي يرى محللو معهد دول الخليج العربية أنها تُتبع أيضًا في المملكة العربية السعودية وقطر كإجراء وقائي ضد التآكل طويل الأمد لعائدات الهيدروكربونات، تحول الصناديق السيادية الخليجية إلى أكثر من مجرد مستثمرين سلبيين. فهي تعمل على بناء سلاسل إمداد كاملة من أجل التحول في قطاع الطاقة، بدءًا من المنجم وصولاً إلى البطارية.
5. الحياد الجيوسياسي: ميزة تنافسية ونقطة خلاف
أحد الحجج التي يكثر مستشارو عمليات الاندماج والاستحواذ من ذكرها هو موقف «عدم الانحياز» الذي تتبناه الإمارات العربية المتحدة تجاه الكتل الجيوسياسية المتنافسة. ويوفر هذا الحياد العملي، المتمثل في التعامل مع الجهات الفاعلة الغربية والروسية والصينية والهندية في آن واحد، لشركات الطاقة منصة مستقرة نسبيًا لإبرام الصفقات حتى خلال فترات التوتر الجيوسياسي الشديد، وهو ما وصفه محللون في وسائل إعلام مثل مجلة «ذي إيكونوميست» بأنه جزء من ظاهرة أوسع نطاقًا تُعرف باسم «الجنوب العالمي».
إلا أن هذه الحياد نفسه ينطوي على جانب أكثر إثارة للجدل يجب على أي تحليل جاد أن يقره. فقد أشارت الهيئات التنظيمية الغربية بشكل متزايد إلى دبي وميناء الفجيرة باعتبارهما نقاط عبور للنفط والذهب الروسيين، وفرض كل من الاتحاد الأوروبي ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على عدة شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة بسبب دورها المزعوم في نقل النفط الخام الروسي بأسعار تتجاوز السقف المحدد من قبل مجموعة الدول السبع (G7). بدورها، عززت السلطات الإماراتية قواعد الشفافية المتعلقة بالملكية الفعلية والضوابط المتعلقة بمكافحة غسل الأموال، وذلك جزئياً رداً على إدراج الدولة سابقاً في القائمة الرمادية لمجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية لمكافحة غسل الأموال (FATF). ونتيجة لذلك، نشأ توازن دقيق: تستفيد الإمارات تجارياً من حيادها، لكنها تواجه ضغوطاً مستمرة لإثبات أن هذا الانفتاح نفسه لا يصبح قناة للتهرب من العقوبات.
بالنسبة لشركات الطاقة والتعدين التي تقيّم إمكانية إبرام صفقة في المنطقة، فإن هذا السياق ليس مجرد حاشية ثانوية؛ فقد أصبحت إجراءات العناية الواجبة المتعلقة بالأطراف المقابلة وسلاسل التوريد والمالكين الفعليين أكثر صعوبة بشكل ملحوظ، وذلك تحديدًا لأن الهيئات التنظيمية الدولية تراقب عن كثب أي معاملة لها صلة بالإمارات.
6. تكاليف الطاقة التنافسية والرغبة في دخول قطاعات جديدة
وبالإضافة إلى النفط والمعادن التقليدية، تجذب الإمارات العربية المتحدة أيضًا رؤوس الأموال إلى القطاعات المرتبطة بها بفضل أسعار الكهرباء الصناعية التنافسية مقارنةً بالولايات المتحدة وأوروبا، والإطار التنظيمي الذي يمكن التنبؤ به، والبنية التحتية الرقمية عالية المستوى. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال، نقل عمليات تعدين العملات المشفرة إلى منشآت إماراتية، في وقت أصبحت فيه تكاليف الطاقة وعدم اليقين التنظيمي يرفعان تكلفة هذا النشاط في أماكن أخرى.
7. الكيانات المصممة لغرض محدد: الكيانات ذات الغرض المحدد (SPVs)، والمؤسسات، وصناديق الاستثمار المشترك
يوفر النظام البيئي لمركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبوظبي العالمي (ADGM) أدوات مصممة خصيصًا لمعاملات الموارد الطبيعية:
- الكيانات ذات الأغراض الخاصة (SPVs): كيانات مرنة تُستخدم لعزل أصل واحد — مثل حصة في مشروع تعدين، أو عقد توريد طاقة، أو مشروع مشترك — دون تعريض بقية المجموعة للمخاطر.
- المؤسسات الخيرية: يتزايد استخدامها من قبل العائلات والمجموعات التجارية لأغراض التخطيط لتعاقب الخلافة وحماية الأصول المرتبطة بعمليات استغلال الموارد الطبيعية. ففي الربع الأول من عام 2026 وحده، سجل مركز دبي المالي العالمي (DIFC) 158 مؤسسة خيرية جديدة، وهو ما يمثل أكثر من ضعف الرقم المسجل في العام السابق.
- أدوات الاستثمار المشترك وصناديق المستثمرين المؤهلين (QIF): تستخدمها صناديق الأسهم الخاصة والصناديق السيادية للمشاركة إلى جانب مستثمر رئيسي في معاملات فردية في قطاعي الطاقة أو التعدين، في ظل أطر تنظيمية متزايدة التعقيد صادرة عن هيئة دبي للخدمات المالية (DFSA) (مركز دبي المالي العالمي) وهيئة تنظيم الخدمات المالية (FSRA) (سوق أبوظبي العالمي).
8. ماذا يعني ذلك بالنسبة للشركات العاملة في هذا القطاع
بالنسبة لشركة تعمل في مجال التعدين أو الطاقة وتدرس أين تنظم عملية الاستحواذ أو المشروع المشترك أو جولة التمويل التالية، توفر الإمارات العربية المتحدة مزيجًا يصعب العثور عليه في مكان واحد: القدرة على التنبؤ القانوني على النمط الأنجلوساكسوني، والكفاءة الضريبية المشروعة، والقرب الجغرافي من الأسواق المنتجة والمستهلكة على حد سواء، والوصول المباشر إلى رأس المال السيادي المستعد للمشاركة في الاستثمار في مشاريع واسعة النطاق.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يُوازن أي قرار يتعلق بتنظيم العمليات في المنطقة مع الرقابة التنظيمية الدولية المتزايدة، لا سيما فيما يتعلق بالمعاملات التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بأطراف خاضعة للعقوبات. وتأتي التوصية الصادرة عن معظم مكاتب المحاماة الدولية واضحة ومباشرة: الاستفادة من القوة المؤسسية لمركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبوظبي العالمي (ADGM)، مع حماية كل صفقة من خلال إجراء تدقيق دقيق بشأن الأطراف المقابلة وسلاسل الملكية.
الأسئلة الشائعة
لماذا تختار شركات التعدين مركز دبي المالي العالمي (DIFC) أو سوق أبوظبي العالمي (ADGM) بدلاً من شركة ذات مسؤولية محدودة عادية في الإمارات العربية المتحدة؟ لأن كلا النظامين يعملان في إطار القانون العام الإنجليزي، مما يتيح هياكل مؤسسية أكثر مرونة، وفئات أسهم متنوعة، واتفاقيات معقدة بين المساهمين، وحقوق الإلزام بالمشاركة، وهي أمور يصعب تنفيذها في ظل نظام القانون المدني الذي يحكم الكيانات في الصين القارية.
هل تفرض الإمارات ضرائب على شركات الطاقة والتعدين؟ هناك ضريبة عامة على الشركات، لكن الكيانات التي تنطبق عليها صفة «الشخص المؤهل في المنطقة الحرة» يمكنها الاستفادة من معدل ضريبي يبلغ 0% على فئات معينة من الدخل، بما في ذلك أنشطة الحيازة، شريطة استيفائها لمتطلبات الجوهر الاقتصادي.
هل يُعد إبرام صفقات الطاقة في الإمارات العربية المتحدة أمراً آمناً في ظل التدقيق الذي تخضع له العقوبات؟ إنها ولاية قضائية تتمتع بمصداقية مؤسسية قوية، لكنها ليست خالية من مخاطر الإضرار بالسمعة في حال وجود علاقات غير معلنة بين الأطراف المقابلة وكيانات خاضعة للعقوبات. ومن الضروري تعزيز إجراءات العناية الواجبة، لا سيما في عمليات تداول النفط والذهب.
ما هو الدور الذي تلعبه الصناديق السيادية مثل «مبادلة» و«ADQ»؟ وهي تعمل كمستثمرين استراتيجيين مشاركين في مشاريع التعدين والطاقة، حيث توفر رأس مال طويل الأجل وتسهل الوصول إلى الأصول في أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية، وذلك في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.